فخر الدين الرازي

14

شرح الفخر الرازى على الاشارات

تسكن سواء لديها الأمران مثل جهتي الحركتين ثم كان أن تتحرك أنفع للسافل اختار به بل إذا كان الأصل هو أنها لا تعمل لأجل السافل بل انما يطلب شيأ عاليا فيتبعه نفع فيجب أن تكون هيئة الحركة كذلك وإذا كان كذلك وقع الاختلاف هاهنا بسبب متقدم على ما يتبع الاختلاف من النفع فإذا المتشبه بها أمور مختلفة بالعدد وان جاز أن يكون المتشبه به الأول واحدا ولأجله تشابهت الحركات في انها دورية ) اعلم أن القائلين بان المتشبه به الأول واحد لما قيل لهم لو كان الامر كذلك لكان التشبه واحدا أجابوا عنه بان قالوا إن حركات الأفلاك كان يجوز أن تكون متشابهة الا أن الحركة على هذا الوجه الواقع كانت انفع للسافلات فاختارت أصل الحركة للمتشبه بالبارى تعالى وكيفيتها في الجهة والسرعة والبطء لأجل العناية بالسافلات وهذا كما أن رجلا خيرا إذا أراد الذهاب المهم وكان له إلى ذلك المهم طريقان وكان أحد الطريقين بحيث لو سلكه لا تنفع به محتاج ولو سلك الآخر لم ينتفع به ذلك المحتاج فان خيريته تحمله على سلوك الطريق الأنفع ثم إن الشيخ قدح في هذا الجواب من وجهين الأول المعارضة وهي أنه لو جاز أن يقال الحركة إلى الجهات بالنسبة إلى الفلك على السواء ثم إنه اختار الحركة المخصوصة لأنها أنفع للسافلات لجاز أن يقال أيضا الحركة والسكون بالنسبة اليه على السواء الا أنه اختار الحركة لأنها أنفع للسافلات ولما لم يجز ذلك فكذا ما ذكروه ولقائل أن يقول هذه المعارضة غير واردة والفرق أن بالحركة تستخرج الكمالات من القوة إلى الفعل وعند السكون لا يستخرج شيء منها إلى الفعل فإذا كان المقصود هو استخراج تلك الكمالات من القوة إلى الفعل كان ذلك المقصود حاصلا بكل الحركات فلا جرم كان الكل بالنسبة اليه على السواء وحينئذ يكون ترجيح البعض على البعض لنفع الغير وهذا غير حاصل عند السكون فلا جرم لم تكن الحركة والسكون بالنسبة إلى غرضه على السواء فظهر الفرق والثاني أن الدليل الذي دل على أن العالي لا يفعل لأجل السافل لا يميز أصل الحركة عن صفتها بل هو عام في الكل لأنا قلنا كل من فعل فعلا لغرض فهو مستكمل بذلك الغرض فلو فعل العالي فعلا لأجل السافل لكان مستكملا به فيكون الشريف مستكملا بالخسيس وهو باطل وهذه الحجة سواء صحت أو فسدت لكنها مطردة في أصلها ووصفها وهذا الجواب جيد ثم لما فرغ من هذين الجوابين قال بل إذا كان الأصل هو انها لا تعمل لأجل السافل انما تطلب شيأ عاليا فيتبعه نفع فيجب أن تكون هيئة الحركة كذلك فاعلم أن معناه أن الدليل لما دل على أن العالي لا يفعل لأجل السافل بل حركاتها لأجل شيء أعلى منه ثم يتبعها نفع السافل وجب أن يكون الحال في هيئة الحركة كذلك واما قوله وإذا كان كذلك وقع الاختلاف بسبب متقدم على ما يتبع الاختلاف من النفع فاذن المتشبه بها أمور مختلفة بالعدد فاعلم أن معناه انه لما لم يجز أن يكون سبب اختلافها الأمور التي يتبع اختلافها وهي صلاح هذا العالم ونظامه وجب أن يكون سبب ذلك أمورا متقدمة عليها وما ذاك الا أن المتشبه بها أمور مختلفة